أبي الفرج الأصفهاني
228
الأغاني
وردّ البيض والبيض إلى الأغماد والحجب [ 1 ] اهتز أبو تمام من فرقه [ 2 ] إلى قدمه ، ثم قال : أحسن ، واللَّه لوددت أن لي هذا / البيت بثلاث / قصائد من شعري يتخيرها [ 3 ] وينتخبها [ 4 ] مكانه . طلب أن ينشد المأمون مدحا فيه ثم يختار الإقالة فرارا من شروط للمأمون : أخبرني عمي قال : حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال : حدّثني أبو نزار الضبيّ الشاعر قال : قال لي عليّ بن جبلة قلت لحميد بن عبد الحميد الطَّوسي : يا أبا غانم ، إني قد مدحت أمير المؤمنين بمدح لا يحسن مثله أحد من أهل الأرض ، فاذكرني له . قال : فأنشدني ، فأنشدته . قال : أشهد أنك صادق ، ما يحسن أحد أن يقول هكذا . وأخذ المديح فأدخله إلى المأمون ، فقال له : يا حميد ، الجواب في هذا واضح ، إن شاء عفونا عنه وجعلنا ذلك ثوابا لمديحه ، وإن شاء جمعنا بين شعره فيك وفي أبي دلف وبين شعره فينا ، فإن كان الَّذي قاله فيكما أجود ضربنا ظهره ، وأطلنا حبسه ، وإن كان الَّذي قاله أجود أعطيناه لكل بيت ألف درهم ، وإن شاء أقلناه فقلت له : يا سيدي ومن أنا ومن أبو دلف حتى يمدحنا بأجود من مديحك ! فقال : ليس هذا الكلام من الجواب في شيء ، فاعرض ما قلت لك على الرجل . فقال : أفعل . قال عليّ بن جبلة : فقال لي حميد : ما ترى ؟ فقلت : الإقالة أحبّ إلي ، فأخبر المأمون بذلك . فقال : هو أعلم ، ثم قال لي حميد : يا أبا الحسن أيّ شيء يعني من مدائحك لي ولأبي دلف ؟ فقلت : قولي فيك : لولا حميد لم يكن حسب يعد ولا نسب يا واحد العرب الَّذي عزّت بعزّته العرب وقولي في أبي دلف : / إنما الدنيا أبو دلف بين باديه ومحتضره فإذا ولَّى أبو دلف ولت الدنيا على أثره قال : فأطرق حميد ثم قال : لقد انتقد عليك أمير المؤمنين فأجاد ، وأمر لي بعشرة آلاف درهم وخلعة وفرس وخادم . وبلغ ذلك أبا دلف فأضعف لي العطية ، وكان ذلك في ستر منهما ، ما علم به أحد خوفا من المأمون حتى حدثتك به يا أبا نزار . يمسك عن زيارة أبي دلف حياء لكثرة بره به : أخبرني عليّ بن سليمان قال : حدّثني محمد بن يزيد ، قال : حدّثني عليّ بن القاسم قال : قال لي عليّ بن جبلة :
--> [ 1 ] يكنى عن انتصاره الحاسم برد السيوف إلى أغمادها ، والسبايا إلى حجبها . [ 2 ] في أ ، ج ، م : « قرنه » . [ 3 ] في س : « يتخيلها » ، تحريف . [ 4 ] في أ ، ج : « ينتحلها » .